الجمعة، 8 سبتمبر 2017

اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد والرد على الشيخ سامح أبي يحيى عمرو العدوي أبو حبيبة




اجتماع الجمعة والعيد في

يوم واحد والرد على الشيخ سامح أبي يحيى
      

عمرو العدوي


أبو حبيبة




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه بعض الأسطر نوضّح من خلالها القول الصحيح في مسألة  اجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة فقد كثرت المقولات في الحكم فيما لو اجتمعت صلاة عيد مع صلاة جمعة في نفس اليوم , فشجعت نفسي على القيام ببحث حول هذه المسألة فذكرت أقوال العلماء ودليل كل فريق وذكرت القول الراجح من أَقوالهم والرد على الشيخ سامح أبي يحيى
أقوال العلماء في حكم اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، فللعلماء فيمن صلى العيد يومئذ أربعة أقوال
القول الاول : الرخصة لأهل البر والبوادي في ترك الجمعة ويصلونها ظهرًا وهو قول الشافعي، ورواية عن مالك. انظر عقد الجواهر (1/ 244) وحجة هذا القول : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» رواه مالك [10/239] و البخاري (5572)
قالوا : أَهْلُ الْعَوَالِي هم الَّذِينَ مَنَازِلُهُمْ خَارِجَةٌ عَنِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ لَيْسَتِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً ; لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَار, وَالْجُمُعَةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِِ وأجيب أن هذا موقوف على عثمان مخالف المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي فقوْل عُثْمَان لَا يُخَصِّصُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الشوكاني رحمه الله : وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّ التَّرْخِيصَ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ. وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِ عُثْمَانُ: مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْل الْعَوَالِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَنَا الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَفْعَلْ وَرَدَّهُ بِأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ لَا يُخَصِّصُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  انظر نيل الأوطار [3/336]
ثانيا : عن عمر بن عبد العزيز قَالَ: " اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ فَلْيَجْلِسْ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ "رواه البيهقي في الكبرى [6290] قال البيهقي وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَيَّدًا بِأَهْلِ الْعَالِيَةِ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ اهـ قلت وأيضا فيه إبراهيم بن محمد قال عنه ابن حجر في التقريب : متروك اهـ فهذا الإسناد ضعيف جدا 0
القول الثاني: أنّ الجمعة واجبة على كل من صلى العيد وهو قول أكثر العلماء كأبي حنيفة، ورواية عن مالك، واختيار ابن حزم، وابن المنذر، وابن عبد البر انظر المحلى (5/ 89)، والأوسط (4/ 291)، والتمهيد (10/ 277).ورجحه شيخنا مصطفى العدوي  وهؤلاء العلماء يرون أن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة منها قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الْجُمُعَة: 9] ، قالوا وَلَمْ يَخُصَّ عِيدًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ قالوا وما ورد من أحاديث وآثار في المسألة لا يصح تخصيصها للعموم عندهم لما فيها من مقال قال الشيخ سامح أبو يحيى : إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد تصلي الجمعة والعيد ولا تسقط الجمعة لمن صلى العيد إذ كيف تسقط فريضة أجمع عليها المسلمون بما اختلف المسلمون عليه على ثلاثة أقوال ووجب على من وجبت عليه الجمعة أن يحضرها ولا بد وهذا القول هو الذي لا يجوز غيره برهان ذلك :النصوص العامة في فرضية صلاة الجمعة لم تفصل في يوم عيد أو غيره وفي ذلك قواعد : الأولى : أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل الحكم بمنزلة العموم في المقال 0
الثانية : أن العام يبقى على عمومه ما لم يرد دليل يخصصه
الثالثة : أن العام يشمل جميع أفراده ومن أفراده يوم العيد إذا جاء في يوم جمعة واستدل بعموم الآية وعموم أحاديث منها  عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» رواه مسلم (652) قال : إن هذا العقاب الشديد لا يكون إلا لترك واجب عظيم ، ولم يخصص يوم عيد من غيره ثم قال : قال ابن المنذر في الإجماع (8) وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين المقيمين الذي لا عذر لهم وكذا نقله ابن العربي المالكي وغيرهم كثير وقال ابن قدامة في المغني (2/295) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ انتهى كلامه قلت : أجمع العلماء على وجوب صلاة الجمعة كل أسبوع وكذلك في أدلة على ذلك تدل على العموم كما ذكر الشيخ سامح قلت : إلا يوم الجمعة في يوم العيد فقد تنازع العلماء في ذلك كما سيأتي والله عز وجل قال : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] أحالك الله إلى الكتاب والسنة أليس كذلك قال الطبري في تفسيره (7/184) : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنِ اخْتَلَفْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ أَنْتُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ أَوْ أَنْتُمْ وَوُلَاةُ أَمْرِكُمْ فَاشْتَجَرْتُمْ فِيهِ {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} [النساء: 59] يَعْنِي بِذَلِكَ: فَارْتَادُوا مَعْرِفَةَ حُكْمِ الَّذِي اشْتَجَرْتُمْ أَنْتُمْ بَيْنَكُمْ أَوْ أَنْتُمْ وَأُولُو أَمْرِكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ كِتَابِ اللَّهِ , فَاتَّبِعُوا مَا وَجَدْتُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالرَّسُولِ} [آل عمران: 32] فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ سَبِيلًا , فَارْتَادُوا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ إِنْ كَانَ حَيًّا , وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَمِنْ سُنَّتِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] يَقُولُ: " افْعَلُوا ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. يَعْنِي: بِالْمَعَادِ الَّذِي فِيهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ , فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَكُمْ مِنَ اللَّهِ الْجَزِيلُ مِنَ الثَّوَابِ , وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ فَلَكُمُ الْأَلِيمُ مِنَ الْعِقَابِ
اهـ فالسنة خصصت الآدلة الي ذكرها الشيخ سامح فقَدِ اتَّفَقَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَأَنَّهَا كَالْقُرْآنِ فِي تَحْلِيلِ الْحَلَالِ وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ، والدليل على ذلك قال تعالى : {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ ] سورة النساء ( 113) الحكمة هنا السنة والدليل : قوله تعالى :{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب: 34] فالله عز وجل حث نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوت النبي وجعل المتلو نوعين الأول : آيات الله تعالى وهو القرآن الثاني : الحكمة وقد وصفها الله بأنها تتلى ولا شيء كان يتلى في بيوتات النبي جنبا جنب القرآن إلا سنة النبي صل الله عليه وسلم فالحكمة هي السنة كما قال علماء التفسير فالسنة منزلة من عند الله كما نزل القرآن سواء بسواء قال الطبري في تفسيره (19/108) وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} [الأحزاب: 34] وَاذْكُرْنَ مَا يُقْرَأُ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ كِتَابِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ؛ وَيَعْنِي بِالْحِكْمَةِ: مَا أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْكَامِ دَيْنِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِهِ قُرْآنٌ، وَذَلِكَ السُّنَّةُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: 00 عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34] أَيِ السُّنَّةَ قَالَ: يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ اهـ وقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَذَكَرَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: الْحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انظر معرفة السنن والآثار (1/104)  قال الشافعي: ولا أعلم من الصحابة، ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا قُبِل خبره، وانتُهِيَ إليه، وأُثبت ذلك سنة  وصنع ذلك الذين بعد التابعين، والذين لقيناهم، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة انظر مشارق الأنوار (1/325) ومن أراد الزياده فلينظر كتابي الرد على من أنكر السنة فالسنة تخصص القرآن فقوله تعالى : {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الْجُمُعَة: 9] وعموم الأحاديث الي ذكرها الشيخ فهي على العموم تجب الجمعة في كل أسبوع مرة إلا في يوم العيد فلا تجب ولكن من المستحب أن يصليها والدليل على ذلك : عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، قَالَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ رواه أحمد [19318] وأبو داود [1070] قلت : حديث صحيح لشواهده انظر كتابي تخريج الأحاديث المرفوعة (111) وسيأتي تخريجه فالآية والأحاديث عَامه وَحَدِيث إِيَاس وغيره خَاصٌّ وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ سَوَاءٌ وَقَعَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كما في أصول الفقه أقول للشيخ سامح أبي يحيى هذه فائدة هامة يجب الانتباه لها قال الصنعاني في سبل السلام [1/408] : وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ تَصِيرُ رُخْصَةً يَجُوزُ فِعْلُهَا وَتَرْكُهَا، وَهُوَ خَاصٌّ بِمَنْ صَلَّى الْعِيدَ دُونَ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا 00وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ رُخْصَةً مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ دَلِيلَ وُجُوبِهَا عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَيَّامِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَالْآثَارِ لَا يَقْوَى عَلَى تَخْصِيصِهَا لِمَا فِي أَسَانِيدِهَا مِنْ الْمَقَالِ (قُلْت) : حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَلَمْ يَطْعَنْ غَيْرُهُ فِيهِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ يُخَصُّ الْعَامُّ بِالْآحَادِ اهـ وقال ابن قدامة رحمه الله في المغني (2/265) وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَجِبُ الْجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ، فَلَمْ تَسْقُطْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعِيدِ وَلَنَا، مَا رَوَى إيَاسُ بْنُ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: --- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: --- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا زَادَتْ عَنْ الظُّهْرِ بِالْخُطْبَةِ، وَقَدْ حَصَلَ سَمَاعُهَا فِي الْعِيدِ، فَأَجْزَأَ عَنْ سَمَاعِهَا ثَانِيًا، وَلِأَنَّ وَقْتَهُمَا وَاحِدٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ، فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَالْجُمُعَةِ مَعَ الظُّهْرِ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مَخْصُوصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالظُّهْرِ مَعَ الْجُمُعَةِ اهـ
أنا أكثر واحد عارف الشيخ سامح وأكثر واحد كنت بتناقش معاه في مسائل الفقه والعقيدة واتسجنه مع بعض الشيخ سامح لا يعلم شيء عن مصطلح الحديث كما سيأتي الشيخ يريد أن يعرف الناس انه لم يقلد أحدا في الحديث ويبين للناس انه رجل مجتهد في الحديث ويعلم الصحيح من الضعيف فضعف هذا الحديث ليقال له رجل مجتهد في هذا العلم وهو جاهل في هذا العلم كما سيأتي 0
القول الثالث: قال ابن تيمية رحمه الله : الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: كَعُمَرِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.مجموع الفتاوى (24/ 211) وهو قول جمهور الحنابلة ورجحه الشوكاني والصنعاني وابن باز وابن عثيمين وهو الراجح 0
والدليل : أولا : عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، قَالَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ رواه أبو داود [1070] قال الشيخ سامح هذا حديث ضعيف ثم نقل أقوال العلماء أن إياس مجهول قلت عمرو : هذا حديث صحيح لشواهده وهذا إسناد حسن وإِيَاس بْن أَبِي رَمْلَةَ قال عنه ابن حجر في التقريب : مجهول اهـ قلت : بل هو ثقه ذكره ابن حبان في الثقات وصحح هذا الحديث عَلِيّ بْن الْمَدِينِيِّ والحاكم والذهبي انظر صحيح أبي داود (981) ونيل الأوطار (3/335) وقال عبد الحق: "إسْنَادُه جيد انظر المقرر على أبواب المحرر (1/373) وَقَالَ الْأَثْرَم: سُئِلَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - عَن الْعِيدَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي يَوْم (وَاحِد) فَذكر هَذَا الحَدِيث. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : هَذَا حَدِيث يعْتَمد عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي «علله» : إِنَّه أصح مَا فِي الْبَاب انظر البدر المنير [5/99] واحتج به ابن حزم أي إياس فقد أعله ابْن حزم فِي «المحلى» بإِسْرَائِيْل بن يُوْنُسَ بنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيّ انظر البدر المنير [5/99] ولم يضعف إياس قلت : وإسرائيل هذا قال عنه الذهبي في السير (7/ 358) : قَدْ أَثْنَى عَلَى إِسْرَائِيْلَ الجُمْهُوْرُ، وَاحْتجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَكَانَ حَافِظاً، وَصَاحِبَ كِتَابٍ وَمَعْرِفَةٍ اهـ وقال النووي في خلاصة الأحكام [2/ 816] إِسْنَاد حسن اهـ قلت : تصحيح إمام معتبر مثل ابن المديني وغيره لإسناد هذا الحديث يعد توثيق لإياس وأي فرق بين أَن يقول: هو ثقة. أَو يصحح له حديثا تفرد به وابن المديني متشدد في الجرح والتعديل كما قال أبو زرعة كما في الجرح والتعديل (7|72) قال الذهبي في ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل [172] عن المتشدد إذا وثق راوي قال : إذا وثق شخصا فعض على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه اهـ فتصحيح ابن المديني وغيره له يعتبر توثيقا له والإمام أحمد احتج به كما قال الأثرم قال الذهبي في الموقظة [1/78] الثقة: مَن وثَّقَه كثيرٌ، ولم يُضعَّف. ودُونَه: مَن لم يُوَثَّق ولا ضُعِّف. فإن خُرِّج حديثُ هذا في "الصحيحين"، فهو مُوَثَّق بذلك. وإن صَحَّح له مثلُ ابنِ خزيمة، فجيِّدٌ أيضاً. وإن صَحَّحَ له كالدارقطنيِّ : حُسْنُ حديثه. اهـ وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى: كلا بل هو حديث صحيح وأعله بعضهم بأن إياس بن أبي رملة مجهول، وأما إسرائيل فإنه ثقة حجة. أهـ وقال حسين أسد إسناده جيد اهـ وقال ابن باز رحمه الله في تعليقه على التقريب (ذكر المؤلف_يعني ابن حجر_ في تهذيب التهذيب أنه وثقه ابن حبان_يعني إياس بن أبي رملة_و نقل ابن المنذر و ابن القطان: أنه مجهول , و اعتمد قولهما هنا و قد صحح ابن المديني و ابن خزيمة حديثه عن زيد بن أرقم في الاكتفاء بصلاة العيد عن الجمعة في حق من حضرها, و ظاهره تصحيحهما له كما فعل ابن حبان , و لعل ابن حبان اعتمد على تصحيحهما لحديثه فوثقه اهـ العلامة الألباني رحمه الله ضعف هذا السند بجهالة إياس فقد صحح حديث عن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» رواه أبو داود (30) قلت : فيه  يُوسُف بْن أَبِي بُرْدَة قال ابن حجر في التقريب : مقبول اهـ قلت : لم يوثقه معتبر ولكن صحح له أبو حاتم وهو متشدد قال الألباني في صحيح أبي داود (1/59) : قلت: إسناده صحيح، وصححه أبو حاتم وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والنووي والذهبي اهـ فصحح الحديث لتصحيح هؤلاء فكان حقا عليه أيضا تصحيح سند إياس قلت : والشيخ سامح أبو يحيى له كتاب اسمه شرح أصول السنة فأعطاني نسخة رأيت في الكتاب أخطاء في العقيدة وأيضا أخطاء في الحديث إن شاء الله ربي يسر لي وأبينها في كتاب أخر أذكر خطأ منها في صفحة رقم ص (282) ذكر حديث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ العَرَبُ قَتْلاَهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنَ السَّيْفِ رواه الترمذي [2178] قلت له : ياشيخ هذا الحديث ضعيف فيه راوي مجهول اسمه زياد وضعفه البخاري والترمذي والألباني وشعيب الأرنؤوط قال الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: لاَ يُعْرَفُ لِزِيَادِ بْنِ سِيْمِينَ كُوْشَ غَيْرُ هَذَا الحَدِيثِ اهـ وقال ابن حجر في التقريب : مقبول اهـ يعنى لين الحديث عند التفرد فقال لي الشيخ سامح أنا بقلد الشيخ أحمد شاكر في هذا الحديث والشيخ أحمد شاكر من العلماء  قلت : الشيخ أحمد شاكر رحمه الله نعم من العلماء ولكن متساهل في تصحيح الأحاديث، فالأحاديث التي في أسانيدها ليث بن علي بن زيد بن جدعان وابن لهيعة يمشيها ويصححها مع أن هؤلاء ضعفاء عند الجمهور، فأحاديثهم ضعيفة عند الجمهور ويصحح للمجاهيل
قال ابن باز - رحمه الله - معلقًا على حديث: " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرَجا .. " الحديث: (جزم الشيخ العلامة أحمد شاكر في حاشيته على المسند بأنه صحيح؛ بناء على سكوت البخاري عنه - أي عن الحكم بن مصعب أحد رواته -، وهو دليل عند الشيخ أحمد على ثقته عند البخاري، وهذا فيه نظر؛ إلا أن يثبت بالنص أو الاستقراء ما يدل على أن البخاري أراد ذلك، ومن تأمل حاشية العلامة أحمد شاكر اتضح له منها تساهله في التصحيح لكثير من الأسانيد التي فيها بعض الضعفاء؛ كابن لهيعة وعلي بن زيد بن جدعان، وأمثالهما، والله يغفر له، ويشكر له سعيه، ويتجاوز عما زل به قلمه، أو أخطأ فيه اجتهاده، إنه سميع قريب انظر مجموع فتاوى (26/ 258)
 قلت : سبحان الله إياس أوثق من زياد ولكن الحديث ليس على هواه فقلد فيه بعض العلماء وضعف حديث إياس وحديث زياد على هواه فصحح الحديث رغم أن زياد هذا مجهول وأيضا فيه ليث بن سيلم قال ابن حجر في التقريب : صدوق اختلط جدا و لم يتميز حديثه فترك اهـ أيضا كنا بنكلم في مسألة في الفقه فقال لي هذا الحديث ضعيف قلت له لماذا قال لي فيه راوي قال عنه ابن حجر في التقريب صدوق فقلت له قول ابن حجر في الراوي صدوق أي حديثه حسن فتبين لي جهله في علم الحديث فهو مرة يصحح حديث المجهول حديث زياد بحجة أن أحمد شاكر صححه وضعف حديث إياس بحجة أنه مجهول رغم أن ابن المديني صحح الحديث وأيضا له شواهد كما سيأتي وصححه لشواهده العلامة الألباني وشعيب الأرنؤوط فهو مَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً» رواه مسلم (2784) وأختم هذا الباب بحديث يناسب المقام، وهو عن مُعَاوِيَة بْنِ أَبِي سُفْيَانَ،قال : قَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ رواه أحمد [16937] وحسنه الألباني والأرنؤوط قلت : حتى ولو حديث الباب ضعيف كما يدعي هذا فله شواهد يتقوى بها منها 0
ثانيا :  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» رواه أبو داود [1073] قال الشيخ سامح الحديث أعله غير واحد من أهل العلم مثل أحمد والدارقطني وابن عبد البر والشوكاني وغيرهم قلت : هذا حديث صحيح صححه الحاكم والذهبي (1064) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة [1/155]هَذَا إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات اهـ وقال الشيخ الحلبي في أحكام العيدين [1/39] سنده حسن اهـ وحسن إسناده محقق " جامع الأصول" (6/145)
قال الألباني في صحيح أبي داود [4/240]وهذا إسناد رجاله ثقات كلهم؛ وبقية إنما يخشى منه إذا عنعن؛ لأنه مدلس، وقد صرح بالتحديث في رواية ابن المصفى، وكذا في رواية غيره كما يأتي، فزالت شبهة تدليسه، فيتبادر إلى الذهن أنه صح الإسناد، وليس كذلك - وإن ظنه كثيرون-؛ فإن فيه مدلساً آخر، ذهلوا عنه؛ لأنه ليس مشهوراً بالتدليس مثل بقية، ألا وهو المغيرة بن مِقْسَم الضبي؛ فإنه- مع إتقانه- كان يدلس كما في"التقريب " وغيره؛ فهو علة هذا الإسًناد؛ إلا أن الحديث صحيح يشواهده المتقدمة.والحديث أخرجه ابن ماجه (1/393) ... بإسناد المصنف الأول؛ إلا أنه قال: عن ابن عباس! وهو شاذ، والمحفوظ: عن أبي هريرة اهـ قلت : ذكرت في كتابي مراتب المدلسين (73) قال ابْن فُضَيْلٍ :كَانَ مُغِيْرَةُ يُدَلِّسُ، وَكُنَّا لاَ نَكْتُبُ إِلاَّ مَا قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ قَالَ العِجْلِيُّ: مُغِيْرَةُ ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُرسِلُ الحَدِيْثَ عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، وَإِذَا وُقِّفَ أَخْبَرَهُم مِمَّنْ سَمِعَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعَ مُغِيْرَةُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ، وَمِنْ أَبِي رَزِيْنٍ، وَسَمِعَ مِنْ إِبْرَاهِيْمَ مائَةً وَثَمَانِيْنَ حَدِيْثاً ... ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَمُغِيْرَةُ لاَ يُدَلِّسُ انظر السير (6/11) وقال ابن حبان في الثقات [10955] : وَكَانَ مدلسا اهـ وذكره الحاكم فيمن كان يُدِّلس انظر معرفة علوم الحديث ص [105] وجعله ابن حجر في المرتبة الثالثة فقال : صاحب إبراهيم النخعي ثقة مشهور وصفه النسائي بالتدليس وحكاه العجلي عن أبي فضيل وقال أبو داود كان لا يدلس وكأنه أراد ما حكاه العجلي أنه كان يرسل عن إبراهيم فإذا وقف أخبرهم ممن سمعه انظر طبقات المدلسين (46) وقال في التقريب (6851) : ثقة متقن إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم من السادسة مات سنة ست وثلاثين على الصحيح ع اهـ وقال في فتح الباري (1/445) : مُغيرَة بن مقسم الضَّبِّيّ الْكُوفِي أحد الْأَئِمَّة مُتَّفق على توثيقه لَكِن ضعف أَحْمد بن حَنْبَل رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ خَاصَّة قَالَ كَانَ يدلسها وَإِنَّمَا سَمعهَا من حَمَّاد قلت : مَا أخرج لَهُ البُخَارِيّ عَن إِبْرَاهِيم إِلَّا مَا توبع عَلَيْهِ وَاحْتج بِهِ الْأَئِمَّة انتهى كلام ابن حجر رحمه الله قلت : الراجح تقبل عنعنته حتى يتبين أنه دلس فعلى فرض عدم سماعه من إبراهيم كما قال بعض العلماء فإن الواسطة معروفة وهو حَمَّادُ وهو ابن أَبِي سُلَيْمَانَ كما نقل ابن حجر عن الإمام أحمد : قوله : إنما سمعها من حماد وحماد قال عنه ابن حجر في التقريب [1500] : فقيه صدوق له أوهام من الخامسة ورمي بالإرجاء مات سنة عشرين أو قبلها بخ م 4 اهـ فتبين أنه لا يدلس إلا عن ثقة وهو حماد وهو حسن الحديث محتج به فالصحيح الاحتجاج بعنعنته حتى يتبين أنه دلس فروى مسلم روايته عن إبراهيم من غير تصريح بالسماع فأخطأ ابن حجر في جعله أياه في المرتبة الثالثة وكذلك العلامة الألباني رحمهما الله عز وجل قال العلامة شعيب الأرنؤوط وبشار عواد في تحرير تقريب التهذيب [6851] : قوله : كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم فيه نظر من وجهين ، الأول : أنه لم يذكر بتدليس عن غير إبراهيم ، وثانيهما أن أحمد ومحمد بن فضيل هما اللذان قالا بأنه يدلس عن إبراهيم ، وهذا القول رده أبو داود ، فذكر أن المغيرة لا يدلس ، وأنه سمع من إبراهيم مئة وثمانين حديثا ، وقال ابن المديني : لا أعلم أحدا يروى في المسند عن إبراهيم ما روى الأعمش ، ومغيرة كان أعلم الناس بإبراهيم ما سمع منه وما لم يسمع ، لم يكن أحد أعلم به منه ، حمل عنه وعن أصحابه ، وقد أخرج الشيخان من روايته عن إبراهيم من غير تصريح بالسماع وقد توبع عليه عند – البخاري – ومسلم فدلل ذلك على قبول الشيخين لروايته من غير تصريح والله أعلم انتهى قلت : فصح الحديث والحمد لله ولم ينفرد المغيرة بهذا الحديث تابعه زِيَاد بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ به رواه البيهقي في الكبرى (6287) زياد هذا فهو مختلف فيه قال : أحمد بن حنبل : ما أرى به بأس ، كان ابن إدريس حسن الرأى فيه . قال : وسئل عنه مرة أخرى ، فقال : كان صدوقا و قال أبو زرعة : صدوق وقال أبو أحمد بن عدى : و لزياد أحاديث صالحة ، وقد روى عنه الثقات من الناس ، وما أرى برواياته بأسا قال الآجرى ، عن أبى داود : كان صدوقا وقال أبو داود : سمعت يحيى بن معين يقول : زياد البكائى فى ابن إسحاق ثقة ، كأنه يضعفه فى غيره – قلت : ابن معين متشدد في تجريح الرواه فلا يقبل تجريحه مع توثيق هؤلاء كما فعل ابن حجر والألباني رحمهم الله جميعا - وضعفه غيرهم انظر تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب   فهو حسن الحديث على أحسن الأحوال قلت : لم يصب من أعله بالإرسال مثل الإمام أحمد والدارقطني  لأن زيادة ثقة مقبولة قال النووي رحمه الله : إذا روي الحديث موصولا ومرسلا فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة عند الجماهير" الأذكار ص (112) قلت : حتى ولو الراجح الإرسال فيتقوى بما قبله وما بعده 0
 ثالثا : عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «أَصَابَ السُّنَّةَ» رواه أبو داود (1071) قال الشيخ سامح وهذا سنده ضعيف فيه الأعمش وهو مدلس وقد عنعنه ولم يصرح بالتحديث قلت : إسناده صحيح رجاله رجال مسلم قَالَ النَّوَوِيُّ: سَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ انظر نصب الراية (2/225) وقال الشوكاني رحمه الله : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ انظر نيل الأوطار [3/ 336] قال الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود [4/ 238] : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم ولم يخرجه؛ الأعمش: اسمه سليمان بن مهران، وهو مدلس، لكن الجمهور على الاحتجاج بعنعنته؛ حتى يتبين أنه دلس. على أنه قد توبع اهـ وانظر كتابي مراتب المدلسين فقد تكلمت في ذلك بالتفصيل 0
رابعا : عن وَهْب بْن كَيْسَانَ، قَالَ: «اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَخَّرَ الْخُرُوجَ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ فَأَطَالَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْجُمُعَةَ»، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ رواه النسائي في الصغرى [1592] قال الشيخ سامح وهذا سنده فيه ضعف فيه عبد الحميد بن جعفر الأنصاري له أوهام وقد ضعف من بعض أهل العلم قلت : من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب قال الشافعي رحمه الله في الرسالة (34) الواجبُ على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا وقد تكلم في العلم مَن لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساكُ أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله اهـ ياشيخ سامح غفر الله لك عبد الحميد بن جعفر هذا من رجال مسلم روى له مسلم أحاديث في صحيحه وأنقل لك كلام العلماء فيه قال : عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه : ثقة ، ليس به بأس ، سمعت يحيى بن سعيد يقول : كان سفيان يضعفه من أجل القدر وقال عباس الدورى ، عن يحيى بن معين : ثقة ، ليس به بأس ، كان يحيى بن سعيد يضعفه . قلت ليحيى : قد روى عنه يحيى بن سعيد ؟ قال : قد روى عنه ، و كان يضعفه و كان يروى عن قوم ما كانوا يساوون عنده شيئا قال يحيى بن معين : و كان يرى القدر وقال عثمان بن سعيد الدارمى . عن يحيى بن معين : ثقة وقال أبو بكر بن أبى خيثمة ، عن يحيى بن معين : كان يحيى بن سعيد يوثقه ، وكان سفيان يضعفه . قلت : ما تقول أنت فيه ؟ قال : ليس بحديثه بأس ، وهو صالح وقال على ابن المدينى ، عن يحيى بن سعيد : كان سفيان يحمل عليه ، و ما أدرى ما كان شأنه و شأنه وقال الفضل بن موسى : كان خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن العلوى وقال أبو حاتم : محله الصدق وقال النسائى : ليس به بأس وقال أبو أحمد بن عدى : أرجو أنه لا بأس به ، و هو ممن يكتب حديثه وذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات "وقال محمد بن سعد : كان ثقة ، كثير الحديث انظر تهذيب الكمال فيا شيخ غمزه الثوري وغيره للقدر وهذا جرح لا يقبل قال بعض أهل العلم : فرِوَايَة الْمُبْتَدِعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ أَوْ لِأَهْلِ مَذْهَبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ  تقبل وَفِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ فِي الشَّوَاهِدِ وَالْأُصُولِ وحتى لو هذا الجرح يقبل تترك قول أكثر العلماء في توثيق هذا الراوي وتأخذ بقول أثنين منهم واحد متشدد في الجرح وهو يحيى بن سعيد فهو له روايه أن عبد الحميد ضعيف فهل ياشيخ هذا هو العلم قال ابن حجر رحمه الله : والتحقيقُ أنه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ ببدعةٍ ؛ لأَنَّ كلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مخالِفيها مبتدعةٌ، وقد تُبالغ فتكفِّر مخالفها، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ لاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطوائفِ فالمعتمد أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أَنكر أَمراً مُتواتِراً مِن الشَّرعِ معلوماً مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ، فأَمَّا مَن لم يَكُنْ بهذهِ الصِّفَةِ وانْضَمَّ إِلى ذلك ضَبْطُهُ لِما يَرويهِ، مَعَ وَرَعِهِ وتقواه، فلا مانع مِن قبوله انظر نزهة النظر (127) قلت : فهذا الحديث صحيح على شرط مسلم قال الألباني في صحيح أبي داود (4/239) إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ قال شعيب الأرنؤوط في سنن ابن ماجه (2/343) : هذا إسناد صحيح اهـ وقال الأعظمي: إسناده حسن اهـ
خامسا : عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: «عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ»، فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ رواه عبد الرزاق في مصنفه [5725] وأبو داود [1072] قال الشيخ سامح أبو يحيى وهذا سنده ضعيف فيه ابن جريج وهو مدلس قلت : هذا الحديث إسناده صحيح على شرط الشيخين ابن جريج صرح بالتحديث عند عبد الرزاق فزالت شبهة تدليسه وأيضا قال الألباني في صحيح أبي داود [4/238] : إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم؛ وابن جريج- واسمه عبد الملك بن عبد العزيز- وإن كان مدلساً؛ فقد روى ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح عنه أنه قال:إذا قلت: قال عطاء؛ فأنا سمعته منه، وأن لم أقل: سمعت.وهذه فائدة مهمة؛ لعله غفل عنها صاحب "الروضة الندية"، فقال (1/145) :
" وفي إسناده مقال اهـ قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح. وقد صرح ابنُ جريج - وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي - بسماعه عطاء - وهو ابن أبي رباح - عند عبد الرزاق اهـ
قلت : حتى لو هذه الأحاديث ضعيفة كما قال الشيخ سامح فهي تتقوى بعضها ببعض 0قال السخاوي:  ولا يقتضي ذلك الاحتجاج بالضعيف،فإنَّ الاحتجاج إنما هو بالهيئة المجموعة كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر،ولو كان ضعيفاً كما قاله الشافعي والجمهور،وكذلك يقوَى الحديثُ إنْ كان له متابعٌ مثلُه فأكثرُ،أو كان لهُ شاهدٌ بلفظهِ أو معناهُ،أو آيةٌ قرآنيةٌ،أو عمِلَ بهِ كثيرٌ منَ العلماء السابقينَ،أو تلقَّوهُ بالقبولِ ونحو ذلك اهـ هذا الكلام لو كانت هذه الأسانيد ضعيفة لكن ثبت صحتها كما سبق فلا ترد بمجرد بما يدعي هذا الجاهل بعلم الحديث 0
هذه الأحاديث تدل على أن الجمعة تصير بعد صلاة العيد رخصة لكل الناس فإن تركوها جميعا فقد عملوا بالرخصة وإن فعلها بعضهم فقد استحق الأجر قال العلامة الألباني رحمه الله في الأجوبة النافعة ص (86) :ظاهر حديث زيد بن أرقم
"أنه صلى الله عليه وسلم صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: "من شاء أن يصلي فليصل". يدل على أن الجمعة تصير بعد صلاة العيد رخصة لكل الناس فإن تركها الناس جميعا فقد عملوا بالرخصة وإن فعلها بعضهم فقد استحق الأجر وليست بواجبة عليه من غير فرق بين الإمام وغيره وهذا الحديث قد صححه ابن المديني وحسنه النووي. وقال ابن الجوزي : هو أصح ما في الباب وعن وهب بن كيسان قال : اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ولم يصل الناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال: أصاب السنة.وجميع ما ذكرناه يدل على أن الجمعة بعد العيد رخصة لكل أحد وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته كما تقدم ولم ينكر عليه الصحابة ذلك اهـ  
القول الرابع : قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ إذَا صَلَّوْا الْعِيدَ لَمْ تَجِبْ بَعْدَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَلَا الظُّهْرِ وَلَا غَيْرِهِمَا إلَّا الْعَصْرَ لَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَلَا أَهْلِ الْبَلَدِ انظر المجموع [4/492]
ودليله : قَالَ عَطَاءٌ: اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: «عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ»، فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ
رواه أبو داود (1072)سبق تخريجه
قال الشوكاني قَوْلُهُ: (لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ، وَفِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا سَقَطَتْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُسَوِّغَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ.وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ الْأَصْلُ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الَّذِي افْتَرَضَهُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ هُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِيجَابُ صَلَاةِ الظُّهْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا أَعْلَمْ انظر نيل الأوطار» (3/ 336).
قلت: القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم قول غير صحيح، قلت : مثلا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» رواه الطبراني في الأوسط [818] بسند حسن لشواهده وصححه العلامة الألباني في الإرواء [594]هل نقول للمسافر أيضا لا تصلي الظهر  على أنه قد جاء عَنْ عَطَاءٍ،- نفسه -  قَالَ: «اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَصَلَّى بِهِمِ الْعِيدَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمِ الْجُمُعَةَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا» إسناده ضعيف : أخرجه ابن أبي شيبة (5842). وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «أَصَابَ السُّنَّةَ» رواه أبو داود (1071) حديث صحيح قال الألباني رحمه الله : (قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم)
قال الصنعاني في سبل السلام (1/409) وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَطَاءً أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ فَالْجَزْمُ بِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ سُقُوطُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَكُونُ عِيدًا عَلَى مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ بَلْ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ إنَّهُمْ صَلَّوْا وُحْدَانًا أَيْ الظُّهْرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وُحْدَانًا فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا جَمَاعَةً إجْمَاعًا ثُمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ بَلْ الظُّهْرُ هُوَ الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ الْمَفْرُوضُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَالْجُمُعَةُ مُتَأَخِّرٌ فَرْضُهَا، ثُمَّ إذَا فَاتَتْ وَجَبَ الظُّهْرُ إجْمَاعًا فَهِيَ الْبَدَلُ عَنْهُ.وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.اهـ
وفي اللجنة الدائمة 7/ 119
القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم قول غير صحيح، ولذا هجره العلماء وحكموا بخطئه وغرابته؛ لمخالفته السنة وإسقاطه فريضة من فرائض الله بلا دليل، ولعل قائله لم يبلغه ما في المسألة من السنن والآثار التي رخصت لمن حضر صلاة العيد بعدم حضور صلاة الجمعة، وأنه يجب عليه صلاتها ظهرا والله تعالى أعلم.
سئل فضيلة الشيخ ـ ابن عثيمين  رحمه الله تعالى ـ في مجموع الفتاوى:1031: من المعلوم أنه إذا وفق العيد يوم الجمعة سقطت الجمعة عمن صلى العيد ، فهل تجب الظهر أم أنها تسقط كلية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب في ذلك أنه يجب عليه إما صلاة الجمعة
مع الإمام، لأن الإمام سوف يقيم الجمعة، وإما صلاة الظهر؛ لأن عموم
قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ
إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (يعني لزوالها) {إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ
وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} يتناول يوم العيد
الذي وافق يوم الجمعة. وعلى هذا فيجب على المرء إذا صلى مع الإمام يوم العيد الذي وافق يوم الجمعة، يجب عليه إما أن يحضر إلى الجمعة التي يقيمها الإمام، وإما أن يصلي صلاة الظهر، إذ لا دليل
على سقوط صلاة الظهر، والله تعالى يقول: {أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ اِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}
والظهر فرض الوقت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«وقت الظهر إذا زالت الشمس»." اهـ.
قلت : الصحيح هو القول الثالث أن الجمعة تسقط عمن صلى العيد  لِلْأَحَادِيث المتقدمة الصحيحة وعدم ورود ما يخالفه. وَمَا احتَجُّوا بِهِ مَخْصُوصٌ بالأدلة السابقة، وتصلى ظهرا والله أعلم
َسُئِلَ  ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (24/ 210)
عَنْ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا فِي الْعِيدِ إذَا وَافَقَ الْجُمُعَةَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ وَلَا يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ؛ وَقَالَ الْآخَرُ: يُصَلِّيهَا. فَمَا الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا اجْتَمَعَ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ. كَمَا تَجِبُ سَائِرُ الْجُمَعِ للعمومات الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ. وَالثَّانِي: تَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الْبِرِّ مِثْلَ أَهْلِ الْعَوَالِي وَالشَّوَاذِّ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عفان أَرْخَصَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ لَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ لِيَشْهَدَهَا مَنْ شَاءَ شُهُودَهَا وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ. وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي يَوْمِهِ عِيدَانِ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ: {أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ قَدْ أَصَبْتُمْ خَيْرًا فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فَلْيَشْهَدْ فَإِنَّا مُجْمِعُونَ} . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا شَهِدَ الْعِيدَ حَصَلَ مَقْصُودُ الِاجْتِمَاعِ ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ فَتَكُونُ الظُّهْرُ فِي وَقْتِهَا وَالْعِيدُ يُحَصِّلُ مَقْصُودَ الْجُمُعَةِ. وَفِي إيجَابِهَا عَلَى النَّاسِ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ وَتَكْدِيرٌ لِمَقْصُودِ عِيدِهِمْ وَمَا سُنَّ لَهُمْ مِنْ السُّرُورِ فِيهِ وَالِانْبِسَاطِ. فَإِذَا حُبِسُوا عَنْ ذَلِكَ عَادَ الْعِيدُ عَلَى مَقْصُودِهِ بِالْإِبْطَالِ وَلِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدٌ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ عِيدٌ وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِعِ إذَا اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَدْخَلَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى. كَمَا يُدْخِلُ الْوُضُوءَ فِي الْغُسْلِ وَأَحَدَ الْغُسْلَيْنِ فِي الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.انتهى
تنبيه : أما الإمام ففي سقوطها خلاف
القول الأول : رواية عن أحمد ورجحه ابن باز قال ابن قدامة : فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ. المغني - (2 /266) وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، قَالَ: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ» رواه مسلم (878)
 القول الثاني : رواية أخرى عن أحمد يستحب له انظر المغني (2/ 265) قال الشوكاني في نيل الأوطار [3/336] : وَقَدْ ذَهَبَ الْهَادِي وَالنَّاصِرُ وَالْأَخَوَانِ إلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تَكُونُ رُخْصَةً لِغَيْرِ الْإِمَامِ وَثَلَاثَةٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ " وَفِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا الْإِخْبَارَ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمُدَّعَى، أَعْنِي الْوُجُوبَ. وَيَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوبِ وَأَنَّ التَّرْخِيصَ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ تَرْكُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ الْإِمَامُ إذْ ذَاكَ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَصَابَ السُّنَّةَ، رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَعَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْبَعْضِ لَكَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَهُوَ خِلَافُ مَعْنَى الرُّخْصَةِ اهـ قلت : المستحب للإمام أن يأتي الجمعة وليس بواجب عليه والله أعلم 0
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : قال الحنابلة: ويستثنى من ذلك الإمام فيجب عليه أن يصلي الجمعة.
وذهب بعض الحنابلة، كالمجد بن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الإمام كذلك، فلو لم يقمها الإمام فلم تصح - لعلها: تُقم- في البلدة جمعة فلا بأس، ودليله: أثر ابن الزبير المتقدم فإنه لم يخرج إليهم وصلوا وحدانا وقال ابن عباس: (أصاب السنة) ، وقال ابن الزبير: (رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت) فظاهره أن عمر لم يخرج إلى الناس فيقيم فيهم الجمعة.إذن الراجح: أن الإمام لا يجب عليه أن يقيم الجمعة، هذه الألفاظ في بعضها ما يدل على أن الواجب عليهم أن يصلوا ظهراً، وهو قول عطاء: (فصلينا وحدانا) ولم ينكر ذلك عليهم ابن عباس ولا ابن الزبير انظر الشرح الممتع (8/46)

قال ابن عثيمين رحمه الله : وهل يجزئ الجمعة عن العيد؟
فمثلاً: لو صلوا الجمعة في أول النهار، فهل تجزئ عن العيد.
أو صليت بعد الزوال وتركت العيد واكتفوا بالجمعة، فهل يجزئ ذلك؟
المشهور في المذهب: أن الجمعة تجزئ عن العيد، والمعنى يقتضي ذلك، وهو المعنى المتقدم بل أولى، فإذا كانت العيد قد أجزأت عن الجمعة، فأولى من ذلك أن يجزئ الجمعة عن العيد.
واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة: أنها إنما تجزئهم إذا صلوا في أول النهار، لكن هذا تفريق لا دليل عليه، لأن العيد تصح عندهم بعد زوال الشمس، فلو أخرها الناس في يوم العيد إلى أن زالت الشمس فهي وإن خالفت السنة فهي عند أهل العلم صحيحة، وإذا أجزأت العيد عن الجمعة، فأولى أن تجزئ الجمعة- لأنها فرض - عن العيد - وهي مختلف في وجوبها -، سواء كان ذلك في أول النهار أو بعد الزوال.
والحمد لله رب العالمين
انظر الشرح الممتع (8/47)
انتهى، والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، والحمد لله رب العالمين.



الأحد، 3 سبتمبر 2017

خطبة العيد، هل يشرع فيها خطبة واحدة أم خطبتان عمرو العدوي أبو حبيبة



 خطبة العيد، هل يشرع فيها خطبة واحدة أم خطبتان 
عمرو العدوي أبو حبيبة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن مسألة خطبة العيد، هل يشرع فيها خطبة واحدة أم خطبتان؟ مسألة من المسائل التي كثر حولها الكلام في هذه الأيام، حتى عدَّ بعض الناس مخالفيهم بالبدع ولا ريب أن هذا من الغلو وعلى هذا جمعت في هذه المسائل : أقوال العلماء ، مع بيان أدلة كل فريق في المسألة وذكرت القول الصحيح من أَقوالهم ، من غير تعصب  لمذهب من المذاهب ، ولا نلتفت إِلَى قول : يخالف الدليل من كتاب الله  أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، مهما علا قدر قائله ، فلا عبرة بقول أحد مع قول الله ورسوله فما وافق الكتاب والسُّنَّة أخذناه، وما خالفهما تركناه، وقلنا: غفر الله لقائله قال الله عز وجل : {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3]   قَالَ الشَّافِعِي وغيره إذَا صَح الْحَدِيث فَهُوَ مذْهبي  إذ لا حجة إلا في كلام لله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يرحمني يوم لا ينفع مال ولا بنون، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
خطبة العيد هل يشرع فيها خطبة واحدة أم خطبتان
قلت : تنازع العلماء في ذلك على قولين
القول الأول : ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يخطب في العيد بخطبتين، يفصل بينهما بجلوس، كما يفعل ذلك في خطبة صلاة الجمعة
وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد انظر الأم" (1/272) وبدائع الصنائع (1/276) ، والمغني (2/121) والمدونة (1/231) وهو مذهب ابن حزم ورجحه ابن باز انظر فتاوى نور على الدرب [13/363]
ودليلهم : أولا : استدلال ابن خزيمة
قال بَابُ عَدَدِ الْخُطَبِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِجُلُوسٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» قالوا : هذا الحديث على العموم أن صلاة الجمعة فيها خطبتين وكذلك العيد لعموم حديث ابن عمر قلت : قد جاء الحديث عند مسلم [861] في بعض رواياته مقيدا بيوم الجمعة وقد أشار إليها البخاري في صحيحه [2/ 11] بالترجمة للحديث بقوله بابُ القَعْدَةِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قال الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة [1/ 701] (قلت: هذا الحديث في خطبتَيْ الجمعة بدليل رواية خالد بن الحارث، حدثنا عبيد الله به ولفظه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة قائمًا ... الحديث. أخرجه مسلم فقوله في الكتاب "الخطبتين" اللام فيه للعهد، وليس للاستغراق فتنبه اهـ  
ثانيا : عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ، فِي الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» رواه الشافعي [1/77] إسناده ضعيف جدا فيه إبراهيم بن محمد بن  أبى يحيى قال ابن حجر في التقريب : متروك اهـ وهو مرسل  وضعفه جدا الألباني كما في الضعيفة [12/636]
ثالثا : عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ» رواه ابن ماجه [1289] إسناده ضعيف جدا فيه 1- عنعنة محمد بن مسلم أبي الزبير وهو مدلس فهو في المرتبة الثالثة كما في طبقات المدلسين [101] وهي من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع وهو هنا لم يصرح بالسماع
2- إِسْمَاعِيل بن مُسلم وَقد أَجمعُوا على ضعفه انظر مصباح الزجاجة [1/ 152]
3- أَبُو بَحر واسمه عبد الرحمن بن عثمان البكراوي -؛ وهو ضعيف؛ كما في (التقريب) وقال الألباني عن هذا الحديث في الضعيفة[5789]منكر اهـ
رابعا : عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَكَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ رواه البزار في مسنده البحر الزخار [1116] إسناده ضعيف جدا فيه 1- محمد بن عبد العزيز - وهو القاضي المدني -؛ قال البخاري: منكر الحديث وقال النَّسَائي: متروك انظر لسان الميزان [7/ 305] 2- ابنه أحمد بن محمد بن عبد العزيز لم أعرفه
3- عبد الله بن شبيب - وهو الربعي الأخباري قال الذهبي : وكان غير ثقة وقَالَ فَضْلك الرّازيّ: يحلّ ضربُ عُنُقه وقال أَبُو أَحْمَد الحاكم: ذاهب الحديث انظر تاريخ الإسلام [6/ 103]  
قال الهيثمي في مجمع الزوائد [3239]رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ اهـ وضعفه جدا الألباني في الضعيفة [12/638]
خامسا : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْعُدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى عَلَى الْمِنْبَرِ , فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , قَامَ فَخَطَبَ ثُمَّ جَلَسَ , ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ , ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي رواه البيهقي في الكبرى [6212] إٍسناده ضعيف فيه حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال البخارى : يقال إنه كان يتهم بالزندقة قال ابن حجر في التقريب ضعيف اهـ وقال النووي : كما سيأتي وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَكْرِيرِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ اهـ فإن قيل هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة؛ فهي - إذا ضم بعضها إلى بعض؛ أخذت قوة. قلت : شرط التقوية غير متوفر فيها - وهو: سلامتها من الضعف الشديد لأن شرط تقوي الحديث بكثرة الشواهد وهو خلوها من متروك أو متهم لم يتحقق في هذه الأحاديث
سادسا : دليلهم : الإجماع قال ابن حزم في المحلى [3/293] فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً، فَإِذَا أَتَمَّهُمَا افْتَرَقَ النَّاسُ.
فَإِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ خُطْبَةً، وَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ، كُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ اهـ ثم لم يذكر خلافاً في الخطبتين فعلم أنه أمر لا خلاف فيه عنده قلت أولا : أن الخلاف مثبت وهو قول عطاء بن أبي رباح كما سيأتي وثانيا : ابن حزم انفرد بنقل الإجماع وهو متساهل جدا في نقل الإجماع كما هو معلوم وأيضا في فرق بين (عدم الخلاف) ونقل (الإجماع) فابن حزم رحمه الله نفى الخلاف ولم يثبت الإجماع في هذه المسألة، قال ابن حزم رحمه الله واعلموا أن الذي يدعي ويقطع بدعوى الإجماع في مثل هذا فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم وحسبنا الله ونعم الوكيل فظهر كذب من ادعى أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع وبالله تعالى التوفيق انظر الأحكام [4/190] وقال في مراتب الإجماع [1/ 9]وَقد أَدخل قوم فِي الإجماع مَا لَيْسَ فِيهِ:- فقوم عدوا قَول الأكثر إجماعا- وَقوم عدوا مَا لَا يعْرفُونَ فِيهِ خلافًا إجماعا وان لم يقطعوا على أَنه لَا خلاف فِيهِ اهـ 

وثالثا : الشيخ ابن باز رغم انه رجح أنها خطبتين ولكنه لا يُثبت الإجماع فقال الشيخ ابن باز رحمه الله: (خطبة العيد خطبتان وأثر عبيد الله مرسل فهو ضعيف؛ لكن يتأيد عند الجمهور بأنها مثل الجمعة فألحقوها بها، وتتابع العلماء على ذلك انظر فتاوى يسألونك [10/ 303] والشيخ ابن عثيمين أيضا نقل الخلاف في هذه  المسألة فقال في مجموع الفتاوى [16/246]اختلف العلماء رحمهم الله فيها.فمنهم من قال: إن العيد له خطبتان يجلس بينهما.ومنهم من قال: ليس له إلا خطبة واحدة،اهـ
سابعا: القياس على الجمعة
قال الشافعي في الأم [1/270] وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جُلُوسٌ كَمَا يَصْنَعُ فِي الْجُمُعَةِ اهـ فائدة : استدلال الشافعي بالقياس يرجح عدم وقوع الإجماع لو هذه المسألة فيها إجماع كان استدل بالإجماع وكذلك النووي وغيرهما فالاستدلال بالإجماع أقوى من الاستدلال بالقياس كما هو معلوم هذه فائدة هامة يجب الانتباه لها
وقَالَ النَّوَوِيُّ فِي خُلَاصَةِ الأحكام [2/838] وَمَا رُوِيَ عَنِ بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ فِي الْعِيدِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَكْرِيرِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ اهـ وأجاب أصحاب القول الثاني :
الوجه الأول: أنه قياس في أمر تعبدي محض، فإننا لو سألنا عن وجه القياس لما تمكن القائسون من ذكر علة معقولة يجرى بها القياس اللهم إلا التشبيه، وليس كل أمرين اشتبها اشتركا في الأحكام.
الوجه الثاني: أنه يلزم من قاس خطبة العيد على الجمعة أن يجعلها قبل الصلاة أيضا، وأن يصليها بعد الزوال، وأن يوجب حضورها على الناس، وإن قال قد فرق النص والإجماع بينهما في هذه الأمور، قيل كثرة الفروق تمنع القياس والله أعلم.
الوجه الثالث: أنه إن صح القياس فإننا نقيسها على خطبة الاستسقاء والكسوف، وهو خلاف ما رآه الشافعي حيث جعل خطبة الاستسقاء والكسوف كخطبة الجمعة، والواقع أن هذه أصول بنفسها لا تقاس على غيرها، ولعله لم يثبت لديه أنها خطبة واحدة لذلك قاسها على الجمعة والله أعلم
القول الثاني : أنها خطبة واحدة لا يشرع الجلوس في وسطها
وهو قول عطاء انظر مصنف عبد الرزاق [5650]  ورجحه الألباني انظر تمام المنة (349)، وابن عثيمين ويفهم من كلام الصنعاني كما في سبل السلام [1/432] قال في شرحه لحديث أبي سعيد رضي الله عنه:   «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قال : وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّهَا خُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ، وَأَنَّهُ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا صَنَعَهُ النَّاسُ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ اهـ 
ودليلهم : أولا : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلاَلٍ، وَبِلاَلٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً» رواه البخاري [961] ومسلم (885) فذكر في هذا الحديث خطبة واحدة، ولا يمكن أن تعد موعظة النساء خطبة ثانية؛ لأنه إنما نزل إليهن ليسمعهن موعظته؛ إذ المتصور كثرة الجمع في العيد مما يجعل النساء في بُعد عنه لا يسمعن خطبته.
قال ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع [5/146]ومن نظر في السنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخطب إلا خطبة واحدة  ، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهنّ، فإن جعلنا هذا أصلاً في مشروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنه بعيد؛ لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهنّ لعدم وصول الخطبة إليهن وهذا احتمال.
ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن ولكن أراد أن يخصهنّ بخصيصة، ولهذا ذكرهنّ ووعظهنّ بأشياء خاصة بهنّ اهـ
ثانيا : مشروعية الخطبة على الراحلة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ عِيدٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ» رواه ابن خزيمة في صحيحه [1445] وابن حبان [2825] بسند صحيح وصححه الألباني في «الصحيحة» (2968) وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم
قالوا : ومقتضى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه خطب على الراحلة دليل واضح على كونه خطب خطبة واحدة، لأنه خطب جالسا، فكيف يقال إنه كان يفصل بين الخطبتين بجلوس
وما قيل من أنه يحتمل أنه خطب قائما على الراحلة فاحتمال بعيد، وأبعد منه القول بأنه خطب على الأرض، بل هذا إن كان محتملا في بعض الروايات فهو غير مقبول في روايات أخرى، والقول بأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أحيانا لا يقدح في المطلوب
ومن يزعم أن هذا الفعل رخصة وأن الأصل هو إلقاء خطبتين يحتاج إلى دليل نقلي مثبت وهو معدوم.
ثالثا : أن الخطبة على الراحلة ثابتة من فعل الصحابة
1- عن علي ، فعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «صَلَّى بِنَا عَلِيٌّ الْعِيدَ، ثُمَّ خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ» رواه ابن أبي شيبة [5856] وسنده ضعيف يتقوى بأثر ميسره الآتي
2- عن عثمان ، فعَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْعِيدَ، فَلَمَّا صَلَّى خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ»، قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ، يَفْعَلُهُ رواه ابن أبي شيبة [5855] إسناده حسن رجاله ثقات كما قال ابن حجر في التقريب إلا ميسرة وهو ابن يعقوب روى عنه جماعة , وذكره ابن حبان فى " الثقات وحسن له حديث الألباني كما في إرواء الغليل [7/ 360] وشعيب الأنؤوط في تحقيقة سنن ابن ماجه [3/ 292]
3- عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى بَعِيرٍ» رواه ابن أبي شيبة في مصنفه [5863] إسناده صحيح
 قالوا : وجه الدلالة من هذه الآثار كدلاله الفعل النبوي، وإذا كان هذا ثابتا عنهم من غير نكير يؤثر، فهو كالإجماع على أنه لا جلوس ولا فصل ولا تعدد في خطبة العيد.
رابعا : عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَتَى كَانَ مَنْ مَضَى يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ مِنْ بَيْتِهِ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «كَانُوا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَمْتَدَّ الضُّحَى فَيُصَلُّونَ، ثُمَّ يَخْطُبُونَ قَلِيلًا سُوَيْعَةً»، يُقَلِّلُ خُطْبَتَهُمْ؟ قَالَ: «لَا يَحْبِسُونَ النَّاسَ شَيْئًا» قَالَ: ثُمَّ يَنْزِلُونَ فَيَخْرُجُ النَّاسُ؟ قَالَ: «مَا جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرٍ حَتَّى مَاتَ، مَا كَانَ يَخْطُبُ إِلَّا قَائِمًا»، فَكَيْفَ يُخْشَى أَنْ يَحْبِسُوا النَّاسَ؟ وَإِنَّمَا كَانُوا يَخْطُبُونَ قِيَامًا لَا يَجْلِسُونَ إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ  وَعُثْمَانُ يَرْتَقِي أَحَدُهُمْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَقُومُ كَمَا هُوَ قَائِمًا لَا يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَرْتَقِيَ عَلَيْهِ «، وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَنْزِلُ؟» وَإِنَّمَا خُطْبَتُهُ جَمِيعًا وَهُوَ قَائِمٌ، إِنَّمَا كَانُوا يَتَشَهَّدُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً الْأُولَى " قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ إِلَّا مِنْبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى جَاءَ مُعَاوِيَةُ حِينَ حَجَّ بِالْمِنْبَرِ فَتَرَكَهُ» قَالَ: «فَلَا يَزَالُونَ يَخْطُبُونَ عَلَى الْمَنَابِرِ بَعْدُ» رواه عبد الرزاق في مصنفه [5650]  قالوا : عطاء بن أبي رباح من كبار التابعين وأئمة الفقه والدين، وقد التقى بمائتين من الصحابة، لكن لم يثبت سماعه من عثمان رضي الله عنه فضلاً عن أبي بكر وعمر، فهو مرسل، ومراسيل كبار التابعين وإنْ كان لها قوة عند بعض العلماء، إلا أنَّ عطاء كان يُرسل عن كل أحد!.
ويكفينا من هذا الأثر: أن يكون مذهباً لعطاء رحمه الله نفسه، فهو يرى رحمه الله أنَّ خطبة العيد تكون قياماً من أول ما يرتقي الإمام المنبر حتى ينزل، وليس في خطبة العيد جلوس على المنبر؛ وتكون خطبته جميعاً وهو قائم، ويتشهد مرة واحدة، وهذا كله يدل على أنها خطبة واحدة لا خطبتان

وفي هذا التقرير حجة قوية لمن قال بأن الخطبة خطبة واحدة ليس فيها جلوس فإن قيل كيف يصف شيئا لم يدرك زمانه يجاب بأنه يصفه باعتباره أمرا متواترا يستغنى في نقله عن الرواية بالإسناد، ورواية الأخبار المتواترة بالإسناد تكلف كما يقول الشافعي (36)، بل هي أقوى مما ينقل بالإسناد، قال ابن تيمية: «بل بعض ما يشتهر عند أهل المغازي ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد» (37). فلقائل أن يقول: صلاة العيدين من الأمور الظاهرة المتكررة التي لا يمكن أن يخفى مثلها على عطاء فقيه أهل مكة.
وإن سلمنا عدم اعتماده في النقل -لعلة الإرسال -، فهو معتمد قطعا في إثبات الخلاف في أصل المسألة.
خامسا : قالوا : أن الأصل صلاتها في المصلى من غير منبر
ما علم من السنة من أداء الصلاة في المصلى وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يخرج منبرا، فهذا يقضي بأنه إما كان يخطب على الراحلة أو على الأرض وفي كلتا الحالتين لا يتصور جلوس، وإنما يكون الجلوس على المنبر واحتمال جلوسه على شيء مرتفع وإن كان واردا فليس ثمة ما يسنده من جهة النقل.
أخيرا قلت : لم يصح حديث يبين تكرار الخطبة يوم العيد كما سبق ، والأمر في هذا واسع، وليس في سنة النبي صلى الله عليه وسلم نص فاصل في المسألة، وإن كان ظاهرها أنها خطبة واحدة، فليفعل الإمام ما يراه أقرب إلى السنة في نظره ؟
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هل يخطب الإمام في العيد خطبة واحدة أو خطبتين؟ فأجاب:" المشهور عند الفقهاء رحمهم الله أن خطبة العيد اثنتان، لحديث ضعيف ورد في هذا، لكن في الحديث المتفق على صحته أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يخطب إلا خطبة واحدة، وأرجو أن الأمر في هذا واسع انظر"مجموع فتاوى(16/246)
وقال أيضاً (16/248) :
" السنة أن تكون للعيد خطبة واحدة، وإن جعلها خطبتين فلا حرج؛ لأنه قد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا ينبغي أن يهمل عظة النساء الخاصة بهن. لأن النبي عليه الصلاة والسلام وعظهن.
فإن كان يتكلم من مكبر تسمعه النساء فليخصص آخر الخطبة بموعظة خاصة للنساء، وإن كان لا يخطب بمكبر وكان النساء لا يسمعن فإنه يذهب إليهن، ومعه رجل أو رجلان يتكلم معهن بما تيسر اهـ وسئل الألباني رحمه الله  إن الأحاديث التي وردت في ذكر خطبة العيد ليس فيها ذكر الخطبة أو الخطبتين ، فتلحق بأصل خطبة الجمعة ، فيكون لها خطبتان ، فهل هذا القول صحيح وما هو الحق في الباب ؟
قال الألباني : هذا الإلحاق ذكره بعض العلماء قديما وهو من باب القياس ، والقياس في الأحكام الشرعية لا نراه مشروعا ، إلاّ في حدود الضرورة ، وهذا ما نصّ عليه الإمام الشافعي ، أنّ القياس في الشريعة ضرورة ، فإن وجدت الضّرورة التي تضطرّ الإنسان إلى أن يقيس حكما غير منصوص عليه على حكم منصوص عليه فعل ، وإلا فلا حاجة له بذلك ، وخطبة العيد قد جاءت أحاديث كثيرة تتحدّث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب ...النص أو عند دلالة النصوص التي تحدّثت عن خطب الرّسول صلى الله عليه وسلّم يوم الجمعة ، وأن لا نلجأ إلى القياس ، لأنّنا لا نشعر بضرورة ما إلى قياس خطبة العيد ، على خطبة الجمعة ، ومن مشاكل القياس ، أنه لا يوقف به عند حد فمن قال إننا نقيس خطبة العيدين على خطبة الجمعة فلقائل أن يقول لا نحن نقيس خطبة العيد على غير خطبة الجمعة ، كخطبة الاستسقاء مثلا أو خطبة صلاة الكسوف أو الخسوف مثلا ، وعلى العكس من ذلك ، إذا فتح باب القياس المذكور ، فسنخالف كل الخطب التي جاءت عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ممّا أشرت إليه آنفا ، كخطبة الكسوف أو الخسوف وخطبة الاستسقاء ونحو ذلك ، أيضا تقاس هذه الخطب على خطبة الجمعة ، فهل من قائل بذلك انظر شريط سلسلة الهدى والنور شريط رقم [319]
قال الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله :
الأحاديث المتكاثرة في صلاة العيد الصحيحة ليس فيها إلا خطبة وخطب خطبة العيد وهي أحاديث جماعة من الصحابة فإن قال قائل كما قال الشوكاني : تقاس على الجمعة ، فالجواب أن الشرع توقيفي ، والجمعة ورد فيها دليل عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال : خطب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - اي الجمعة ، خطبة وهو قائم ثم جلس ثم قام وخطب الثانية رواه مسلم وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما نحوه رواه البخاري
وأما حديث وهو عند ابن ماجة أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - خطب خطبتين فإنه من طريق إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف .
فالصحيح أنها خطبة واحدة ، ما جاء إلا خطبة واحدة ( خطبة ) لكن في اللغة العربية أن الخطبة تصدق على الخطبة والواحدة ، ومسألة القياس على الجمعة لماذا لا يقيسونها على الكسوف ما هي إلا خطبة واحدة ولماذا لايقيسونها على غيرها من الذي ورد فيه خطبة واحدة
فالمهم الصحيح أنها خطبة واحدة لعدم ورود الدليل ، فإذا قال لك شخص : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أيفهم منه أنها خطبتان ، أم يفهم منه أنها خطبة واحدة ؟ هذا أمر ، أمر آخر أيضاً إذا قال : وخطب خطبة العيد ، ثم قال : أنه لم يسمع النساء وذهب فوعظهن وقال لهم : " يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار " قيل : ومما ذاك يا رسول الله ؟ قال : " يكفرن العشير ، ويكثرن اللعن ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ورأت منك سوءاً قالت ما رأيت منك خيراً قط " .
فالمهم نتحدى من يقول : أنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه خطب خطبتين للعيد .فإن قال قائل : أنه قد ذكرها ابن خزيمة وذكر الإمام الشافعي كما في ( مختصر المزني ) وذكر غير واحد من المألفين خصوصاً الفقهاء أنها خطبتان حتى أبو محمد ابن حزم ما أدري لماذا لم يتمسك بظاهريته ؟!! فقال في ( المحلى ) : ويخطب خطبتين ، لأنه يذكر الباب ثم يذكر ما يشتمل عليه من الفقه ثم يذكر الأدلة ،: ويخطب خطبتين .السائل : هل يصل الذي يخطب خطبتين إلى حد البدعة ؟ 
الشيخ : لا ، لا نستطيع أن نقول أنه مبتدع ، أنا لو خيرت بين أخطب خطبتين وبين أن يخطب غيري أقول : يخطب غيري وأنا أستمع ، لأن الذي ورد هي خطبة ، وأرجعوا أيضاً إلى كتب اللغة إذا قالوا : خطبة أو ضربة ضربته ضربة هل يفهم أنه ضربه ضربتين ّ!! ما يُفهم هذا . السائل : لو قال قائل لو سمع خطبة الجمعة سيقول : سمعت اليوم خطبة الجمعة لا يقول خطبتين ؟
الشيخ : لو لم يرد إلا هذا لقلنا أن الجمعة لقلنا أن الجمعة يخطب لها خطبة واحدة ، لكنه ورد في حديث جابر بن سمره عند مسلم ، وفي حديث عبدالله بن عمر عند البخاري أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - خطب خطبتين .من شريط : " أسئلة شباب العدين "